بقلم: د. أحمد شمس الدين الحجاجي
يدور حديث طويل حول العقلية العربية واتهامها بأنها ذات خيال موحش، وأنها عقلية جزئية لا تملك النظرة الكلية، وكان أحد الأدلة التي يستند إليها أصحاب هذه النظرة العنصرية هو عدم وجود ملحمة في الأدب العربي. والغريب أن كثيرًا من المفكرين العرب ساروا هذا المسار في الحكم على العقلية العربية. لقد حكم الغرب علينا ثم صدَّر حكمه إلينا.
والشيء الملفت للنظر أن هناك أكثر من رواية شعرية كاملة تروى في صعيد مصر لسيرة بني هلال. وهذه السيرة تحفل بتنوع شعري خلاق. لم يلتفت إلى هذه الرواية أحد من أدباء مصر ومفكريها حتى الأربعينيات من هذا القرن حين درس محمد فهمي عبداللطيف سيرةَ “أبو زيد الهلالي”، كما درس عبدالحميد يونس نفس السيرة، وقدَّم فؤاد حسنين بعض نصوصها في كتابه “قصصنا الشعبي”.
وجميع هذه الدراسات اتجهت إلى النصوص المدونة ورواية الوجه البحري، وتَرَكَتْ روايات الهلالية الشعرية الصعيدية مهملة حتى الخمسينات؛ حين بدأ باحثون مصريون في مركز الفنون الشعبية يتجهون لجمع بعض من هذه النصوص.
وفي صعيد مصر هناك أكثر من رواية لأكثر من راوٍ؛ ففي منطقة أسوان تُرْوَى رواية مبنية على المُخَمَّس، أي أن تكون وحدة الرواية هي المقطع المكون من أربعة أبيات ثلاثة منها بقافية واحدة، ثم يتبعها بيت الختام وهو على قافية مغايرة تلزم جميع مربعات السيرة التي يرويها الشاعر. وقد يتغير بناء المقطع إلى مربع يشبه المُخَمَّس أي أنه يتكون من ثلاثة أسطر على قافية واحدة، والرابع وهو القفل يمثل بيت الختام. ويُكرَّر اللفظ الأول من بيت الختام في مطلع البيت الأول للمربع التالي؛ ففي رواية عوض الله عبدالجليل، وهي من الروايات التي كانت سائدة في منطقة أسوان وعرف بها الشاعر حسن ياسين وابن أخيه مصطفى النوبي من مدينة دراو، كما في هذا المقطع من قصة عالية العقيلية وهي أحد فصول سيرة بني هلال:
لم فصيح ولم رجيح إلا ابن رامه
يا كنزنا نرتجوه يوم القيامة
الحبيب ظلت على راسه الغمامة
يا كريم لأني أزور المصطفى باهي الجمال
كريم نزور المصطفى ونرجع برايه
بإذن ربي خلاق البرايه
يأتي كلامي في النبي ومعنى الحكاية
صغتها بالفن من فكري وبالي
صغتها بالفن من فكري وذكري
عشان مشهدي ويبان ذكري
كانوا فرسان جودهم تيار يجري
كان تناهم مسك ولاَّ تبر عالي
كان تناهم مسك ولا تبر ديمه
كل ما يقدم يزيد مقدار وقيمه
قوم ودوَّر ع الأساسات القديمة
تلتقيهم في التراب والجسم بالي
وهذه الرواية صعبة على الراوي، فإذا لم يكن متمكنًا من حفظها فقد تهرب منه بقية أبياتها إذ إنها متتابعة، يركب المربع على بنية المربع السابق.
وكان جابر أبو حسين يروي هذه الرواية في بداية احترافه للسيرة ثم تركها، ولهذا فإن هذه الرواية توقفت وليس بين شعراء السيرة الشبان مَنْ يرويها.
وهناك رواية السيرة المبنية على المُسَبَّع، وهو المكون من سبعة أشطر، الثلاثة الأولى بقافية تختلف عن الأشطر الثلاثة التالية لها. والبيت السابع وهو بيت الختام وهو القفل يعود للقافية الأولى مستمرًّا طول رواية الفصل.
يروي الشاعر النادي عثمان من قرية الطود مركز الأقصر عن حديث خليفة الزناتي لابنته وهو يشكو من شدة مواجهته لأبي زيد:
طلع خليفة الزناتي يشوط على جمع العرب ولو فات
لقيهم مقادم متعددين ولوفات
روح خليفة الزناتي لا هني له غموز ولا فات
قال يا سعده يا بتي الهلايل أنا معاديهم
ماسكين حرب طرش عمتلمع معاديهم
والغلب والبين أنا عندي معاديهم
ياك حلت معاديهم جات عندنا ولفات
واستخدام القافية بهذا الشكل يعطي للشاعر القدرة على التنويع في القافية، وإذا ضاعت من حفظه جملة بقافيتها استطاع أن يركبها دون أن يخل بالمعنى. وعلى كل فهذا النوع من الرواية قد تَوَقَّف، ولم يبقَ منه إلا بقية محفوظة لرواية ضائعة تُغَنَّى آخر الليل في حفلات الأفراح.
وهناك الرواية التي تعتمد على المُرَبَّع القائم على تلاقي قافية الشطر الأول مع الثالث والثاني مع الرابع.
يروي الشاعر سيد الضوي، من مركز قوص، واصفًا الجاز على لسان الزناتي خليفة:
الجاز زايد جلعها
ومتبغددة في المريه
كمركب وفارطه قلوعها
بتعوم على شبر ميه
من هذا المُرَبَّع تشيع بين الرواة روايتان؛ رواية قديمة يرويها مَنْ يُعْرَفُون باسم: أبناء السيد أو المساليب، والرواية الثانية هي رواية جابر أبو حسين، وقد سيطرت هذه الرواية على معظم رواة الوجه القبلي؛ حتى إن أبناء السيد أنفسهم قد تركوا الرواية القديمة وأخذوا يروون رواية جابر أبو حسين.
والشاعر جابر أبو حسين ابن فلاح مصري من أبَّار الوقف مركز إخميم، وبعد مولده ترك والدُه قريتَه وذهب إلى مدينة المراغة للبحث عن مورد للرزق، ومات ولما يبلغ جابر أبو حسين من العمر أحد عشر عامًا، وكان على الصغير أن يقوم برعاية أمه وأخيه الأصغر زكي.
ترك جابر المراغة بعد أن حفظ كل ما سمعه من السيرة الهلالية وذهب إلى الإسكندرية ليعيش عند أخ له غير شقيق، وهناك عمل كناسًا. ولم ينسَ الطفل السيرة الهلالية؛ فقد كانت تروى في بعض مقاهيها.
واستمع الطفل إلى الشاعر الراوية محمد الطباخ يؤدي السيرة الهلالية في أحد المقاهي على مدار عام قمري كامل. يبدأ السيرة في أول رمضان ويختمها في آخر شعبان، ليعود بعد ذلك يؤديها بنفس الكيفية. استمع له الطفل خمس سنوات أي أنه كبر وهو يستمع إليه. بعد ذلك سأله الشاعرُ محمد الطباخ أن يعمل معه في بطانته فقبِل.
وبعد أن شعر جابر أبو حسين بأنه حفظ السيرة عاد إلى المراغة، ولكنه لم ينجح في أن يجذب إليه جمهور المستمعين، فأخذ يعمل مع الفرق الجوالة التي تروي الهلالية.
لقد حفظ كل ما يقدمه التراث الصعيدي والبحراوي عن الهلالية وهو يحتاج إلى من يفتح له الطريق ليقدم روايته، ولم يحالفه النجاح الذي يريده حتى استُدْعى إلى الإسكندرية لإحياء بعض الليالي هناك. ويبدو أن ذلك قد تم بعد وفاة شاعرها محمد الطباخ. وعاد من الإسكندرية وقد أخذت الأساطير تُحَاك حوله؛ فقد جاء لأهل الصعيد رجلاً جديدًا. قالوا “إن الخضر عليه السلام تفل في فمه.”، وأهل الصعيد دائمًا ما يَرُدُّون الفتوة والقوة وجودة الفن في الشخص إلى الخضر عليه السلام.
لقد كان جابر أبو حسين يعرف كل دروب رواية بني هلال مما يروى في الشمال والجنوب. وكانت بداية شهرته الكبيرة في قنا؛ فلقد ذهب لمولد سيدي عبدالرحيم ليفي بنذر له، وهناك قابله رجل من الأشراف يسمى سيد الرشيدي، وقد عرفه الرجل فأقسم عليه بالبقاء، وذهب لزيارة السيد وبعدها مكث في المنطقة المجاورة لمقام سيدي عبدالرحيم والتي تسمى البورة. وأخذ جابر يغني حتى صلاة العشاء. وبعد ذلك أخذه الرجل إلى بيته وقد وعد الناسَ الذين استمعوا إليه أنه سيغني السيرة غدًا. ومن يومها سارت شهرته في آفاق قنا وأسوان فضلاً عن سوهاج وأسيوط.
وجمهور أهل الصعيد يعرفون السيرة ويتابعونها؛ فالسيرة بالنسبة لهم تاريخهم الاجتماعي والإنساني، فكثير من عائلات الصعيد تنتسب إلى أبي زيد أو إلى الزناتي خليفة، فمن كان قيسيًّا يعد نفسه قريبًا لأبي زيد، ومن كان من أصل يمني يعد نفسه قريبًا لدياب بن غانم والزناتي خليفة، وهنا لا بد من أن نتعرف على السيرة.
السيرة هي تاريخ حياة فرد أو تاريخ حياة جماعة، ولقد تعددت أنواع السير فمنها القبلي والقومي والإسلامي. وسيرة بني هلال سيرة قبلية في شكلها الأوَّلي، وهي سيرة جماعة؛ تحكي عن قبيلة بني هلال وحلفهم مع قبائل العرب في نجد والحجاز، وتروي لكل بطل من أبطال السيرة فصلاً أو أكثر خاصًّا به، وإن كان أبو زيد الهلالي هو المسيطر على حلقاتها.
والسيرة تتكون من أربع حلقات:
الأولى وهي المواليد وما يتبعها؛ فهي تأخذ فصل تَكَوُّن الجماعة ومولد أبي زيد وصراعه في سبيل إثبات وجوده، ثم مقتل الجيل الأول على يد حنظل العقيلي، وبعدها تنتقل إلى زواج الأبطال أبي زيد وحسن السلطان ودياب وفرسه التي فتحت له تونس.
والحلقة الثانية هي الريادة وفيها يرود أبو زيد وأبناء أخته الثلاثة يحيى ومرعي ويونس أرض تونس ليواجه الرجال الأربعة مغامرات عدة يعود بعدها أبو زيد وحيدًا في رواية تقول إن يحيى ومرعي قُتِلا وأُسِرَ يونس ورواية أخرى تقول إن الثلاثة أسِروا.
وبعودة أبي زيد من تونس تبدأ الحلقة الثالثة وهي التغريبة، وفيها يقف العرب الهلالية أربعة عشر عامًا على أسوار تونس محاربين لخليفة الزناتي، وتنتهي هذه الحلقة بمقتل الزناتي خليفة.
بمقتل الزناتي خليفة تبدأ الحلقة الرابعة، وهي ما يسمى بالأيتام، وفيها يأخذ الصراع بين قبائل حلف الهلالية لينتهي الأمر باستقرارهم في الصحراء الكبرى.
كان جابر أبو حسين هو الصوت الذي ارتفع يروي الهلالية ويوقف نمو كل رواية فيها ما عدا روايته. فهي رواية سهلة تعتمد على المربع الناعم الذي يُبنى من كلام الناس وأمثالهم؛ فليس من السهل أن تجد له بنية شعرية ليست مأخوذة من أفواه الناس. لقد رُكِّبَت هذه الرواية من كثير من الروايات المعروفة، هضمت وشكلت في بنية كبرى هي ما نعرفه الآن برواية جابر أبو حسين.
ولم يكن جابر أبو حسين معروفًا للجمهور بروايته فقط، وإنما كان معروفًا أيضًا بحفظه لكل ما يقوله المنشدون الدينيون في المنطقة؛ فالهلالية تبدأ دائمًا بالصلاة على النبي ومدحه، ثم بكاء الدنيا وذمها بمربعات عرفت عند العامة بأنها مربعات ابن عروس، وقد أضاف إليها جابر أبو حسين الكثير، وعُرِفَ أيضًا هذا الشاعر العظيم بخلقه الجَمِّ وحيائه، وقد كان يذهب إلى حفل قد لا يأخذ من صاحبه مليمًا؛ لأنه يعرف أنه فقير. كما أنه كان يؤدي لأبناء السيد حفلاتهم دون مقابل وهي الق