و يموت كل العدى بغيظ وعظم دائه
يظل في العلـياء وطني من الخالـدين
خرج ولم يعد..
تعددت الأسباب والهروب واحد.. واختلفت الحكايات والنتيجة ثابتة .. فعندما يجد الزوج نفسه مكبلا بأغلال العطاء.. محاصرا بقيود المسئولية قد يهرب تاركاً وراءه "الجمل بما حمل" كما يقولون، غير مبال بالزوجة والأسرة والأبناء، وتصبح فكرة الفرار حلمه المنشود.. وخلاصه الوحيد من التبعات الملقاة على كاهله، والتي لا يستطيع النهوض بها في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها معظم أفراد المجتمع. مما يترك آثارا سيئة على الزوجة والأبناء الذين يفقدون السند والدعم فيشعرون بالنقص ويصبحون فريسة سهلة للاضطرابات النفسية والسلوكية ، وقد يتجهون إلي الانحراف بعد اختفاء الأب وانشغال الأم بتوفير نفقات الأسرة.
أثبتت الاحصائيات أن هناك 11 ألف دعوى طلاق بمحكمة الأحوال الشخصية بالقاهرة وحدها، رفعتها زوجات هرب أزواجهن منذ سنين ولا يعلمن عنهم شيئا. منهن من توقعت ذلك الهروب لتعطل زوجها عن العمل.. أولإدمانه أو لارتباطه بأخرى تملك من الامكانات ما تحقق به أحلامه أو لنقل أطماعه.. ومنهن من صدمها هروبه الذي فوجئت به دون مقدمات ليثير أمامها علامات استفهام كثيرة لا تستطيع أن تخمن لها إجابة..
زوجة معلقة
الحكاية الأولي عن فتاة هرب زوجها في فترة عقد القران قبل أن يتم الزفاف بشهور، حينما تعرفت( ر . ن ) الى خطيبها خلال جلسة عائلية.. وجدته شابا متزنا هادئ الطباع على درجة عالية من الثقافة والعلم، وفي غضون ثلاثة أشهر تم عقد قرانهما, ثم سافر زوج المستقبل في بعثة إلي إحدي الدول الأجنبية للعمل والدراسة، على أن يرسل اليها لتلحق به في أسرع وقت بعد تسوية أموره وتدبير مكان للمعيشة، وبعد ستة أشهر انقطعت أخبار الزوج وأصبحت العروس زوجة معلقة لا تدري عنه أى شىء، وبعد عام علمت بطريق الصدفة أن العريس الغائب تزوج بأخري أجنبية في تلك الدولة دون أن يخبرها أو يحاول حلها من الرباط المقدس بينهما ، لينتهي حلم الزواج سريعا وتبدأ الفتاة رحلة الطلاق داخل أروقة المحاكم.
أما "ن . م" فلها قصة أخرى .. فقدت تركت والديها المسنين ببلدتها الصغيرة وجاءت الى القاهرة هرباً من الفقر وطمعاً في حياة أفضل، وفي مصر المحروسة تعرفت الى زوجها الذي كان عامل تراحيل يعمل يوم مقابل أيام كثيرة لا يجد بها فرصة عمل للوفاء بنفقات المنزل وظلت الحياه هكذا , وفجأة فر الزوج هارباً بعدما رزقهم الله بطفلهما الوحيد تاركها دون كلمة وداع واحدة، لا تعلم كيف تواجه مصيرها ومعها هذا الطفل دون معين أو سند لها في المدينه الكبيرة، ولا تملك ما تستطيع أن تقيم به دعوى طلاق كي تتزوج بغيره..
للثروة حسابات أخرى
إن كان هذا الزوج قد هرب من زوجته وطفله الصغير دون مقدمات والسبب في هروبه تعرفه الزوجة وإن لم يخبرها به ، لأنها سبق وهربت من أسرتها لسبب مشابه، ففي حالة "سلوى" الأمر مختلف .. فقد حذرها زوجها الثري مرارا من إقدامه على الهرب، لكنها لم تأخذ تهديداته على محمل الجد، ولم لا وهو يملك المال الذي يهيء له ولهم حياة مريحة، ويحيون معا حياة مستقرة لا تخلو من مشاكل لكنها لاتصل لحد الخلافات..
تقول الزوجة: عرفت مصادفة من خلال حديث دار بين زوجي ووالدته عن انتوائه شراء منزل جديد، اندهشت بشدة فرغم ماله الكثير إلا أنه شديد البخل لاتتعدي التزاماته ومسئولياته تجاهي وأبنائي المأكل والمشرب فقط لا غير, وأية مصاريف فيما عدا ذلك لا شأن له بها ، حتى الملبس ومتطلبات الدراسة لا يعيرها التفاتا وأقوم بتدبيرها بمفردى، وعندما سألته أن يبحث لنا عن منزل أكبر بعد أن ضاق بنا المنزل الحالي خاصة بعدما كبر الأولاد ثارت ثائرته وهدد وتوعد بأنه سيهرب ويتركنا, لكنني كنت اعتقد أن ذلك مجرد تهديد فقط وأن الشيطان لن يلعب برأسه ويزين له الهرب، لكنه في النهاية نفذ تهديده كأنه يقول اللهم بلغت اللهم فاشهد وهرب تاركني أنا وأولادي بلا مورد رزق ومعي ولد بالمرحلة الثانوية وآخر بالصف الثاني الإعدادي ، ومن الواضح أنه فر الى المنزل الجديد الذي رفضت أسرته أن تبوح لي بعنوانه!
موظف قد الدنيا
طفش بحجة أنه سيسافر إلي بلد عربي
أما "أ. م" فتبدأ قصتها قائلة أنها كانت متزوجة من موظف "قد الدنيا" على حد تعبيرها، راتبه الشهري يتجاوز المائتي جنيه بكسور قليلة..! ولكنه فجأة "طفش" بحجة أنه سيسافر إلي بلد عربي, دون أن يخبرها عن تلك البلد وعن موعد عودته, وكلما سألت عليه في مكان عمله أجابوها أنه أخذ أجازة بدون مرتب وسافر ولكن أين لا أحد يعرف ؟ , وتشكو الزوجة مرارة حالها فتقول: : تعاون أهل الخير وجمعوا لي مبلغاً استطعت أن اتدبر أمري به، وقاموا من خلاله بعمل كشك ليكون لي مورد رزق أنا وأبنائي في هذه الأيام "السوداء"، وتتنهد قائلة "طالت الغيبة وشكله مش راجع وعموما لنا رب اسم" الكريم" ."
في هذه المرة خرج الزوج ولم يعد بعد أن أنجبت له " هناء " أربعة أبناء , بحثت عنه عند جميع المعارف والأقارب، و"سألت عليه طوب الأرض" لكنها لم تجده، حتى اضطرت لإبلاغ الشرطة التي لم تعثر له على أثر..
هناء تتحسر وتنعي حظها علي فرار زوج غاية في الرومانسية يعمل مهندس كهرباء , ولكن مهلا ! فقد كانت هذه الرومانسية بالطبع قبل الزواج وإنجاب الأبناء , وتضرب كفا على كف قائله "سبحان من له الدوام" زوجي تغير تماما بعد إنجاب الابن الثالث، سهر خارج المنزل حتي ساعات الفجر الأولي، وإهمال لعمله الذي يعد مورد رزقنا الوحيد، ومن ثم تراكمت علينا الديون وأصبحنا نتلاشي لقاء جيراننا وأقاربنا خوفاً من مطالبتنا بمديونياتهم, وترجع بذاكرتها إلي الخلف لتقول ذات يوم مشئوم خرج زوجي للسهر ليلاًُ ولم يعد كعادته فجرا، انتظرته فجرا وراء فجر ولكن يبدو أن عودته أصبحت حلما بعيد المنال .
تقول"هناء" باكية : أخرجت أولادي من المدارس لعدم قدرتي على تحمل مصاريف تعليمهم, وتتساءل هل عجزه عن الوفاء بمسئولياتنا دافع كافي للهرب ؟ وإن كان.. فهل الهروب هو الحل, ومن يربي معي هؤلاء الأبناء إذا كان أباهم تنصل من تربيتهم .
مجتمع اللذات
حملنا هذه القصص وطرحناها على علماء الاجتماع وأطباء علم النفس لمعرفة الأسباب التي تدفع الأب والزوج الى الهرب من أسرته تاركا أبنائه وزوجته دون أي إحساس بالمسئولية تجاههم.. وما دوافعه وراء ذلك والآثار التي يخلفها هروبه عنهم .
يقول د / محمد خطاب أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس أن هروب الزوج أساسه النشأة الاجتماعية التي تخلق فرداً سمته الاعتماد على الغير في تلبية جميع احتياجاته، ونظراً لأن الزواج مسئولية اجتماعية واقتصادية تختلف عن مسئوليات الزوج خلال مراحل عمره السابقة، فإن الزوج يفاجأ عقب الزواج بهذه المسئولية وهذا العبء الذي يفوق قدراته وطاقاته، مما يجعله يرتد إلي مراحل متأخرة من النمو النفسي تسمح له بالانسحاب عن طريق خلق عالم آخر لنفسه يهرب إليه، وفي بعض الأحيان يكون الادمان هو البديل الذي يختاره للانسحاب من الحياة التي يرفضها في قرارة نفسه .
و يؤكد خطاب أن الآثار النفسية الخطرة التي تنعكس على الزوجة والأبناء هي أحد تبعات هروب الزوج، وخاصة الأبناء الذين يكون الأب لهم بمثابة القانون الرمزي والسند والدعم الذي تتجلي في صورته جميع القيم، وعندما يفاجأ الابن بهروب والده يشعر بغياب الأمن وانهيار جميع القيم السابقة فيشعر بالنقص ويصبح فريسة للاضطرابات النفسية والسلوكية طويلة المدي، وقد يتجه إلي الانحراف نتيجة هروب الأب وانشغال الأم بتوفير نفقات الأسرة .
ويضيف أنه يجب ألا ننسي أن التفكك الأسري المترتب على هروب الزوج ووقوع المسئولية الكاملة للأبناء على عاتق الزوجة يدفعها إلي الزواج بآخر، أو إلي الانحراف في كثير من الأحيان، أو ارتجال أي عمل لتوفير نفقات الأبناء، وهذا بدوره يؤدي الى العديد من الانعكاسات السلبية التي تظهر بالمجتمع جراء تلك الظاهرة، مثل الانحرافات الأخلاقية وظهور القيم الغريبة والدخيلة على المجتمع، إضافة إلي جرائم عقوق الوالدين والتي يتم تقبلها بمنتهي اللامبالاة, وينقلب المجتمع إلي مجتمع لذة "أى أن كل فرد يبحث عن إشباع احتياجاته دون أدني مساهمة من جانبه" .
ويكمل علم الاجتماع الصورة التي بدأها علم النفس حيث يقول د. علي خضر أستاذ علم اجتماع بجامعة حلوان أن عجز الزوج عن توفير أبسط التكاليف المعيشية لأسرته كالمأكل والملبس والأموال اللازمة للإنفاق يمثل دافعاً قوياً للهروب. فقد يتجه الزوج للإدمان ليصبح غير مبال أو مكترث بما يحمله من مسئوليات.
وهذه المشكلة قد تكون عالمية في رأي د. خضر الذي دعم كلامه بالإشارة إلي محتوي بعض الإحصائيات الصادرة مؤخرا بدولة الهند، والتي أوضحت زيادة ملحوظة في حالات الانتحار بين الرجال الذين يعجزون عن توفير تكاليف المعيشة لأسرهم .
ويضيف أن هروب الزوج قد يرجع في بعض الأحيان إلي خلل النظام الاجتماعي، إضافة إلي سوء توزيع الثروة الذي يشعر الإنسان معه بالنقص والتدني ، مشيرا إلى أن آثار غياب الزوج تطال الأم والأبناء معا وليس احدهما فقط ، حيث تضطر الأم إلي قبول الأعمال المتدنية وقد تتجه إلي الانحراف، أما الأبناء فقد ينحرفون بدورهم أويتسربون من التعليم للعمل بأية حرفة في أحسن الأحوال.
ويختتم كلامه مؤكداً علي ضرورة وجود دور نشط للمجتمع حيال تلك الحالات، وذلك من خلال إتاحة فرص للأبناء للتدريب المهني و توفير فرص عمل يستطيعون من خلالها إيجاد مورد مالي يساهم في الحفاظ على ماء وجههم من هوان السؤال أو سقوطهم في بئر الانحراف .
وتبدأ دكتورة إنشاد عز الدين أ- علم اجتماع بالمعهد القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية كلامها بتأكيدها أن هروب الأزواج لا يمثل ظاهرة وإنما هم قلة بالمجتمع، وتعزو أسبابه إلي سمات وطبيعة الشخصية التي تتميز بالانسحاب وعدم القدرة على المواجهة، ويتملكها شعور دائم بالضآلة وان المسئولية أكبر من قدراتها, مشيرة إلي أن هذا الزوج قد تكون لديه رغبه في الانفصال عن زوجته لكنه لا يستطيع الإفصاح عنها خوفا من المتطلبات التي ستقع على عاتقه جراء الانفصال، وهنا يلجأ إلي الهروب ، مؤكدة أن هذه السمات قد تكون نابعة من وضعنا الاجتماعي داخل دولة نامية ، يتملكنا شعور داخلي بالخوف من الغد ولا نملك اتخاذ قرار التغيير أو ثقافة المبادرة، فنبدأ دائما من حيث انتهي الآخرون.
كتبها الصادق عبدالسيد في 02:48 مساءً ::


















الاسم: الصادق عبدالسيد















