كمبردج (ولاية ماساشوستس الأميركية): «الشرق الأوسط» رسالة هارفارد «مراقبة صحة المرأة» خدمات «تريبيون ميديا»:
* سرطان الثدي متنوع في أشكاله، مثل تنوع النساء اللاتي يصيبهن.. ولذا يسعى الخبراء اليوم إلى توظيف المعلومات المتوفرة حول الجينات، لوضع علاجات مخصصة لكل أشكاله.
* العلاجات الأولى
* في الخمسينات من القرن الماضي، كان سرطان الثدي يعالج كما لو كان مرضا منفردا بنفسه، وذلك بواسطة علاج مصمم «وفق مقاييس ذهبية» - بإجراء عملية لإزالة الأنسجة السرطانية، تتبعها عملية التعريض للإشعاع. إلا أن حتى هذا العلاج الصارم، لم يتمكن دوما من ضمان عدم عودة السرطان. ولذا، وبحلول السبعينات من القرن الماضي، أضيف العلاج بالأدوية الكيميائية - الأدوية شديدة المفعول التي تقضي بسرعة على الخلايا المتكاثرة بنوعيها: السرطانية والسليمة. وكان لهذا العلاج ثمنه أيضا: الغثيان، وفقدان الشعر، والتنميل، و«المخ الكيميائي».
ولم يكن هذا التوجه العلاجي الموحد لكل حالات سرطان الثدي عائدا إلى الجهل الطبي، إذ كان الأطباء يشكون في أن سرطان الثدي ليس متشابها. وكانوا يعتقدون أن بعض أنواع هذا السرطان يمكن إزالته بأمان بواسطة الجراحة وحدها، بينما يمكن أن تستجيب أشكال أخرى منه للعلاج الهرموني، وقد يحتاج شكل ثالث من هذا السرطان إلى علاج كيميائي. إلا أن أحدا من الأطباء لم يعرف أي شكل من أشكال السرطان سوف يستجيب لهذا العلاج أو ذاك، ولذا فقد جرى توفير علاج بأقصى ما يكون من القوة، لجميع المريضات، بنفس الطريقة. أما الآن وبفضل التقدم الذي تم إحرازه في ميدان البيولوجيا الجزيئية، فإن خبراء الطب أصبحوا قادرين بشكل أفضل على التمييز بين أنواع سرطان الثدي. وتركز أبحاث سرطان الثدي حاليا على التعرف على جينات معينة ومستقبلات بروتينات معينة، التي يمكن بواسطتها التمييز بين أشكال سرطان الثدي الصعبة عن أشكاله الأخرى التي يسهل إزالتها.
وهكذا فقد أصبح من الواضح أن سرطان الثدي لم يعد مرضا واحدا، بل إنه مجموعة من الاضطرابات التي يمكنها أن تستجيب إلى نطاق كبير من أنواع العلاجات.
* اكتشاف دور المستقبلات
* كان من المعروف منذ القرن التاسع عشر أن «الإستروجين» يلعب دورا في زيادة نمو سرطان الثدي. إلا أن العلماء لم يتعرفوا على كيفية تأثيره حتى الستينات من القرن الماضي، إذ ظهر أنه يرتبط مع جزيئات المستقبلات الموجودة داخل نواة الخلايا، ثم يقوم بتنشيط جينات تعمل على تسريع نمو الخلايا.
وأدى اكتشاف مستقبلات «الإستروجين» في أنسجة الثدي السرطانية إلى تطوير أدوية توقف عمل «الإستروجين» (blocking drugs - estrogen) مثل «تاموكسفين» (tamoxifen) («نولفاديكس» Nolvadex). وقد قاد استخدام «تاموكسفين» إلى تقليل خطر عودة السرطان لدى النساء اللاتي كانت لديهن سرطانات ناجمة عن تأثير مستقبلات «الإستروجين»، كما تحول هذا الدواء إلى أول خيار طبي لدرء حدوث سرطان الثدي لدى مجموعات النساء الأكثر تعرضا لخطر هذا النوع من السرطان.
وبعد مرور عقد من الزمن، تعرف العلماء على نوع آخر من المستقبلات المسماة «HER2»، وهي التي تعتبر محطة استقبال لعامل نمو البشرة «بيتا» (epidermal growth factor beta)، وهو هرمون قد يحفز على نمو السرطان. وتوجد «HER2» في خلايا الثدي الطبيعية، إلا أنها توجد بكميات كبيرة في خُمس أورام الثدي السرطانية تقريبا، وهذا مؤشر على أن كل هذه الأورام تنشط جزئيا نتيجة وجود كميات عالية من عوامل النمو.
ومثلها مثل السرطانات الناجمة عن تأثير مستقبلات «الإستروجين»، أمكن علاج الأورام السرطانية الناتجة عن دور مستقبلات «HER2» بعلاجات موجهة. وفي هذه الحالة فقد تم إنتاج دواء «تراستازوماب» (trastuzumab) («هيرسيبتين» Herceptin) الذي يمنع عمل المستقبلات ويوقف تكاثر الخلايا. وأدت إضافة دواء «تراستازوماب» إلى العلاج الكيميائي القياسي، إلى تقليل حالات عودة السرطان القوية، كما حسن الدواء من فرص نجاة النساء المصابات بأورام السرطان الناجمة عن نشاط مستقبلات «HER2».
* اكتشاف جيني خارق
* إن كل السرطانات هي أمراض منشؤها الجينات، أي وبمعنى آخر، فإنها تنتج عن تشوهات في الحمض النووي المنقوص الأكسجين «دي إن إيه». وهو، أي الحمض، عبارة عن جزيئات تحمل كل التعليمات المطلوبة لتطور الخلايا ونموها، ومنها الخلايا السرطانية. وتحمل مقاطع منفردة من هذا الحمض النووي (دي إن إيه) تسمى الجينات، رموزا لبعض هذه التعليمات، مثل تعليمات لصنع أو لإنتاج بعض أنواع البروتينات. وقد اكتشف العلماء في السنوات الأخيرة، بعض الجينات المسؤولة عن بعض أشكال سرطان الثدي. ففي عام 1994 مثلا تعرفوا على الجينين «BRCA1»، و«BRCA2».
وتنتج النسخ الطبيعية لهذين الجينين بروتينات لإصلاح الحمض النووي (دي إن إيه). إلا أن النسخ المشوهة من هذين الجينين التي اكتشفت لدى النساء اللاتي توارثن سرطان الثدي، لا تؤدي مهمتها بشكل طبيعي، الأمر الذي يهدد سلامة الحمض النووي (دي إن إيه) ويعرضه إلى الكثير من الأضرار المختلفة. ويمتلك الإنسان عادة نسختين من غالبية الجينات، ولذلك فإن النساء اللاتي يمتلكن نسخة مشوهة من جين «BRCA»، تكون لديهن كذلك نسخة طبيعية منه تنفذ مهمة إصلاح الحمض النووي (دي إن إيه). إلا أن نسخة هذا الجين الطبيعي تفقد بالتدريج وظيفتها داخل أنسجة الثدي لدى ما بين 65 و85 في المائة من هؤلاء النساء، اللاتي يظهر لديهن سرطان الثدي قبل سن 70 عاما.
وقد أدى اكتشاف جينات «BRCA» المسؤولة عن سرطان الثدي، إلى حدوث تحول في كل المنطلقات الموضوعة لدرء حدوثه لدى النساء من ذوات الخطر العالي لهذا المرض. ولأن جينات «BRCA» توجد في كل خلية من خلايا الجسم، فإنه يمكن رصدها بإجراء تحليل للدم. وتملك النساء، اللاتي اكتشف لديهن واحد من التشوهات في هذه الجينات، عددا من الخيارات: إجراء التصوير الشعاعي للثدي أو الأشعة بجهاز الرنين